تسخير ثورة الذكاء الاصطناعي في الإعلام العربي نحو رؤية إستراتيجية وخريطة طريق حتى 2030
يشهد الإعلام العالمي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي التي يتوقع أن تسهم بتريليونات الدولارات في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030 مع حصة متنامية لقطاعات المحتوى والإعلام والإعلان وفي ظل هذا التحول يواجه الإعلام العربي تحديات هيكلية تتمثل في تراجع العوائد الإعلانية وتشتت الجمهور وضعف الثقة مما يجعل توظيف الذكاء الاصطناعي خيارًا إستراتيجيًا مرتبطًا ببقاء المؤسسات وقدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا ورغم أن إنفاق المؤسسات الإعلامية العربية على هذه التقنيات لا يزال محدودًا مقارنة بالمؤسسات الغربية فإن المبادرات الحكومية في دول مثل السعودية والإمارات وقطر فتحت نافذة تاريخية لبناء نموذج عربي للإعلام الذكي يقوم على الدمج بين الابتكار التقني والقيم المهنية ويدخل الذكاء الاصطناعي اليوم في مختلف مراحل إنتاج المحتوى من رصد الأخبار والتحقق من المعلومات إلى الأتمتة الجزئية للكتابة وإنتاج الفيديو والصوت والرسوم التوضيحية وتخصيص المحتوى وإدارة غرف الأخبار وتحسين القرارات التحريرية والمالية ومع ذلك تواجه هذه المسيرة تحديات جوهرية تشمل ضعف البنية التحتية الرقمية ونقص البيانات المنظمة ومحدودية تطور التقنيات اللغوية العربية والمخاوف الأخلاقية والمهنية وفجوة المهارات والبيئة التنظيمية غير المكتملة ولذلك يتطلب التحول الحقيقي الانتقال من التجارب المحدودة إلى رؤية إستراتيجية طويلة الأمد تقوم على تشخيص الواقع الرقمي وتأسيس وحدات ابتكار وتصميم سير عمل هجين يجمع بين الإنسان والآلة وتطوير سياسات تحريرية واضحة والاستثمار في التحليلات المتقدمة كما يستلزم دورًا فاعلًا للهيئات التنظيمية في وضع أطر قانونية داعمة وتشجيع الشراكات وبناء منصات بيانات عربية مشتركة إلى جانب تحديث مناهج التعليم الإعلامي وتعزيز البحث العلمي في مجال الإعلام والذكاء الاصطناعي ووفق هذه الرؤية يمكن رسم خريطة طريق تمتد حتى عام 2030 تبدأ بمرحلة البناء والتجريب ثم الدمج المنهجي والتوسع وصولًا إلى النضج والابتكار بما يسمح بإطلاق منتجات إعلامية جديدة وتعاون إقليمي فعال وفي هذا السياق يشكل الذكاء الاصطناعي فرصة حقيقية لإعادة تعريف دور الإعلام العربي كمؤسسة معرفية تفاعلية قادرة على تقديم محتوى أعمق وأكثر مصداقية وتعزيز الرقابة المجتمعية شريطة استخدامه بحكمة ووعي إستراتيجي يحول هذه الثورة التقنية إلى رافعة تنموية مستدامة لا مجرد أداة استهلاكية متأخرة